الأربعاء 24/4/2024  
 هل يستمرّ العالم على هذا النحو؟

هل يستمرّ العالم على هذا النحو؟
أضف تقييـم
"الثقافة" الاستهلاكية السائدة ترخي بثقلها على الكائن المعاصر، وتجعله مجرد أداة في آلة هائلة وجشعة.
تراجعت كلّ القيم الإنسانية التي بشّر بها الأنبياء والرسل، والمبادئ التي وضعها الفلاسفة والمفكّرون، والحقوق والشرائع التي سنّها المصلحون والحقوقيون، والمطالب التي ثار لأجلها الناس في مشارق الأرض ومغاربها.
هل يمكن للعالم أن يستمرّ على هذا النحو؟
طغت القوة على كلّ ما عداها، وبات الكوكب محكوماً من ساسة أشبه بفتوّة الأحياء وزعرانها. لا شيء سوى المصالح، ويا ليتها مصالح الشعوب والدول، بل مصالح نخب فاسدة تحكم العالم بالحديد والنار.
هل يمكن للعالم أن يستمرّ على هذا النحو؟
لا قيمة للإنسان فيه إلا بمقدار ما يمتلكه من السلطة والمال. القيم المادية تطغى على كلّ ما عداها. وسائل التواصل والميديا الحديثة فاقمت كلّ شيء، بات الجميع يلهث وراء الشهرة (الزائفة والزائلة) والكسب السريع. لا هدف سوى المال، ولا همّ أيّاً كانت الوسيلة لكسبه وكنزه. فـ"الثقافة" الاستهلاكية السائدة ترخي بثقلها على الكائن المعاصر، وتجعله مجرد أداة في آلة هائلة وجشعة.
هل يمكن للعالم أن يستمرّ على هذا النحو؟
حروب هنا، ونزاعات هناك. فوضى هنا، وقهر هناك. موارد الكوكب تستحوذ عليها قلّة قليلة، ومليارات الدولارات تنفق على التسلّح والحروب فيما التضخّم يتفاقم والفقر يزداد، وشبح الحروب النووية يخيّم على العالم بفعل سياسات السيطرة والهيمنة والصراع على النفوذ.
هل يمكن للعالم أن يستمرّ على هذا النحو؟
ما أن خرجنا من جائحة كورونا (كوفيد 19) التي لم نعرف كيف بدأت ولا كيف انتهت، ولا أدركنا نتائج اللقاحات التي يقال فيها وعنها الكثير، حتى وقعت حرب أوكرانيا التي هي في جوهرها حرب عظمى بين روسيا وحلف الناتو، وفيما هدير الحرب يعلو في أوروبا، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي أبشع جريمة إبادة جماعية في التاريخ الحديث على مرأى ومسمع من "المجتمع الدولي"، بل بدعم وتواطؤ من هذا "المجتمع الدولي" الذي هو في حقيقته مجتمع الطغمة العالمية الحاكمة.
هل يمكن للعالم أن يستمرّ على هذا النحو؟
معظم القيم والشعارات التي بشّرنا الغرب بها، وادّعى أنه يقيم بنيانه السياسي والفكري والثقافي على أسسها، تبيّن أنها مجرّد قشّة في مهب ريح المصالح وسياسات الهيمنة وبسط النفوذ. حرب أوكرانيا أسقطت القناع عن وجه الغرب (السياسي) القبيح، وتكفّلت جرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة بفضح النفاق الدولي وسياسات الكيل بمكيالين. إذ مَن كان يتوقّع، حتى في أسوأ كوابيسه، أن يشاهد على الهواء مباشرة جريمة إبادة جماعية كالتي يرتكبها الصهاينة في غزة فيما العالم شرقاً وغرباً، عرباً وعجماً، يتفرّج.
هل يمكن للعالم أن يستمرّ على هذا النحو؟
كتبت قبل مدة، هنا في هذه الزاوية، ما مفاده أنه لولا التظاهرات التي عمّت عواصم العالم ومدنه نصرةً لفلسطين وتضامناً مع شعبها، كنّا كفرنا بالبشرية. تلك الحناجر التي تهدر في الشوارع والساحات، والصرخات التي تعلو: فلسطين حرة. لا تنقذ فلسطين، بل تنقذ البشرية نفسها، وتفتح أمامنا طاقة أمل وبصيص نور بأنّ العالم لا يمكن أن يستمرّ على هذا النحو محكوماً من "بلطجية" القوى المسماة عظمى، وأنّ عظمة الشعوب والدول لا تتأتّى فقط من قوتها العسكرية، بل من مجموع القيم والأفكار التي تنتجها وتنجح في نشرها على امتداد المعمورة. التاريخ يعلّمنا أنّ الإمبراطوريات تسقط متى سقطت قيمها الإنسانية، وتحوّلت إلى مجرد قوة ظلم وطغيان. 
هل يمكن للعالم أن يستمرّ على هذا النحو؟
الأمل، كلّ الأمل، أن تولد من رحم هذا الحراك العالمي حركات وتيارات، أفكار وفلسفات، تعيد للكائن البشري قيمته كإنسان لا يحيا ليأكل ويشرب، بل يأكل ويشرب كي يحيا. وتعيد للسياسة معناها الحقيقي بوصفها تدبير شؤون الناس وإدارة أمورهم لا التسلّط عليهم ونهب خيراتهم وثرواتهم.
مضى زمن كانت فيه مصالح الدول الكبرى تتسترّ بالشعارات البرّاقة، اليوم بات اللعب على المكشوف، كلّ شيء بات واضحاً جليّاً. فهل نشهد ولادة فلسفات وأفكار وتيارات جديدة عابرة للحدود الجغرافية والثقافية والدينية، تنتصر لحقّ الإنسان أيّاً كان، وتقف في مواجهة موجة الانحدار العاتية التي تضرب الحياة الإنسانية على مدار الكوكب الذي لو جرت إدارة أموره بعدالة ومساواة لكان جنة الله على الأرض.
عدد المشـاهدات 46   تاريخ الإضافـة 01/04/2024 - 11:42   آخـر تحديـث 24/04/2024 - 03:57   رقم المحتـوى 24840
 إقرأ أيضاً