الإثنين 18/12/2017  
 الإمام السجاد (عليه السلام) يجانب طريق الجهاد العلني حفظاً للشيعة والتشيع

الإمام السجاد (عليه السلام) يجانب طريق الجهاد العلني حفظاً للشيعة والتشيع
أضف تقييـم
إنّ الحديث عن الإمام السجّاد عليه السلام وكتابة سيرته عمل صعب، لأنّ أساس تعرّف الناس إلى هذا الإمام تمّ في أجواء غير مساعدة إطلاقاً. ففي ذهن أغلب كتّاب السيرة والمحلّلين أنّ هذا الإنسان العظيم قد انزوى للعبادة ولم يكن له أي تدخّل في السياسة. حتّى أنّ بعض المؤرّخين وكتّاب السيرة ذكروا هذه المسألة بشكل صريح. أمّا الّذين لم يقولوا هذا الأمر بصراحة فإنّ مفهومهم عن حياة الإمام السجّاد عليه السلام ليس سوى هذا الأمر.

وهذا المعنى موجود في الألقاب الّتي تُنسب إليه والتعابير الّتي يطلقها الناس عليه. كما يطلق عليه بعض الناس لقب "المريض"، في حين أنّ مرضه لم يستغرق أكثر من عدّة أيّام في واقعة عاشوراء. ومن الطبيعيّ أنّ كلّ إنسان يمرض في حياته عدّة أيّام. وإن كان مرض الإمام للمصلحة الإلهيّة حتّى لا يُكلّف هذا العظيم بالدفاع والجهاد في سبيل الله في تلك الأيّام، ويبقى حيّاً بعد والده لمدّة 35 أو 34 سنة، ليستطيع في المستقبل أن يحمل الحمل الثقيل للأمانة والإمامة على عاتقه. 

ويظنّ بعض الناس أنّ الإمام فيما لو أراد أن يقاوم نظام بني أميّة لكان ينبغي أن يرفع راية المقاومة العسكرية، أو أن يلتحق بالمختار، أو عبد الله بن حنظلة، أو أن يقودهما معلناً بذلك المقاومة المسلّحة بكلّ وضوح. لكنّنا نفهم من خلال النظر إلى ظروف زمان الإمام السجاد عليه السلام أن هذا ظنٌّ خاطئ. وذلك بالالتفات إلى هدف الأئمّة عليهم السلام .

لو قام الأئمّة عليهم السلام ومن جملتهم الإمام السجّاد عليه السلام في تلك الظروف بمثل هذه التحرّكات العلنية والسلبية، فباليقين لما بقي للشيعة باقية. ولما بقيت الأرضية لاستمرار ونموّ مدرسة أهل البيت ونظام الولاية والإمامة فيما بعد.

لهذا نجد أنّ الإمام السجّاد عليه السلام في قضيّة المختار لم يعلن التعاون معه. وبالرغم مما جاء في بعض الروايات عن ارتباطٍ سريّ بينهما، إلاّ أنّه ودون شكّ لم يكن ارتباطاً علنياً. حتّى قيل في بعض الروايات إنّ الإمام السجّاد عليه السلام كان يذمّ المختار. ويبدو هذا الأمر طبيعياً جداً من ناحية التقيّة. وذلك حتّى لا يُشعر بوجود أيّ ارتباط بينهما. مع العلم بأنّ المختار فيما لو انتصر فإنّه بالتأكيد كان سيعطي الحكومة لأهل البيت عليهم السلام. ولكن في حال هزيمته، ومع وجود أدنى ارتباط واضح وعلنيّ؛ لكانت النّقمة شملت وبشكل قطعيّ الإمام السجّاد عليه السلام وشيعة المدينة واجتثّت جذور التشيّع أيضاً. لأجل ذلك لم يُظهر الإمام عليه السلام أيّ نوع من الارتباط العلنيّ به.

نحن نشاهد بعد صلح الإمام الحسن عليه السلام ، الّذي وقع في السنة الأربعين للهجرة، أنّ أهل البيت لم يلتزموا البقاء داخل البيت والاقتصار على بيان الأحكام الإلهيّة. بل نجد منذ أوّل أيّام الصلح أنّ برنامج كلّ الأئمّة عليهم السلام كان يقوم على تهيئة المقدّمات لإقامة الحكومة الإسلامية بحسب النهج الّذي يرونه. وهذا ما نلاحظه بوضوح في حياة الإمام المجتبى عليه السلام وكلماته.

وفيما بعد وصل الدور إلى الإمام الحسين عليه السلام حيث تابع ذلك المنهج نفسه في المدينة ومكّة ومناطق أخرى حتّى هلك معاوية وجرت واقعة كربلاء.

عندما استشهد الإمام الحسين عليه السلام في واقعة كربلاء، وأسر الإمام السجّاد عليه السلام وهو في تلك الحالة من المرض، بدأت في الحقيقة منذ تلك اللحظة مسؤولية الإمام السجّاد عليه السلام.

أنّ الإمام السجّاد عليه السلام كان يسعى لأجل تحقيق ذلك الهدف الّذي كان يسعى لأجله الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام(1) 

غير أن الإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) بعد حادثة عاشوراء وجد نفسه يقف أمام مفترق طريقين(: 

إما أن يعمد إلى دفع أصحابه نحو حركة عاطفية هائجة، ويدخلهم في مغامرة، لا تلبث شعلتها بسبب عدم وجود المقومات اللازمة فيهم أن تخمد وجذوتها أن تنطفئ، وتبقى الساحة بعد ذلك خالية لبني أمية، يتحكّمون في مقدّرات الأمة فكرياً وسياسياً.. أو أن يسيطر على العواطف السطحية والمشاعر الفائرة، ويعد المقدمات للعملية الكبرى، المقدمات المتمثلة في الفكر الرائد والطليعة الواعية الصالحة لإعادة الحياة الإسلامية إلى المجتمع، وأن يصون حياته وحياة المجموعة الصالحة لتكون النواة الثورية للتغيير المستقبلي، ويبتعد عن أعين بني أمية، ويواصل نشاطه الدائب على جبهة بناء الفكر وبناء الأفراد.

وبذلك يقطع شوطاً على طريق الهدف المنشود، ويكون الإمام الذي يليه أقرب إلى هذا الهدف. فأي الطريقين يختار؟ 

لا شك أن الطريق الأول هو طريق التضحية والفداء، لكن القائد الذي يخطط لحركة التاريخ، ولمدى أبعد بكثير من حياته، لا يكفي أن يكون مضحّياً فقط، بل لابد أيضاً أن يكون عميقاً في فكره، واسعاً في صدره، بعيداً في نظرته، مدبّراً وحكيماً في أموره.. وهذه الشروط تفرض على الإمام انتخاب الطريق الثاني. 

والإمام علي بن الحسين (عليه السلام) اختار الطريق الثاني مع كل ما يتطلبه من صبر ومعاناة وتحمّل ومشاق، وقدّم حياته على هذا الطريق (سنة 95 هجرية). 

الرواية التالية (عليه السلام) تصّور حالة المجتمع الإسلامي بعد مقتل الحسين (عليه السلام)، هذه الحالة التي كانت بمثابة الأساس الذي بنى عليه الإمام السجاد خياره الثاني. يقول الإمام الصادق (عليه السلام):

(ارتدّ الناس بعد الحسين (عليه السلام) إلا ثلاثة: أبو خالد الكابلي، ويحيى بن أم الطويل، وجبير بن مطعم، ثم أن الناس لحقوا وكثروا، وكان يحيى بن أم الطويل يدخل مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويقول:" كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء"). 

إنها حالة الهزيمة النفسية الرهيبة التي عمّت المجتمع الإسلامي ابان وقوع هذه الحادثة. فمأساة كربلاء كانت مؤشّراً على هبوط معنويات هذا المجتمع عامة، حتى شيعة أهل البيت. هؤلاء الشيعة الذين اكتفوا بارتباطهم العاطفي بالأئمة، بينما ركنوا عملياً إلى الدنيا ومتاعها وبريقها.. ومثل هؤلاء كانوا موجودين على مرّ التاريخ، وليسوا قليلين حتى يومنا هذا. 

فمن بين الآلاف من مدّعي التشيّع في زمن الإمام السجاد (عليه السلام) بقي ثلاثة فقط على الطريق.. ثلاثة فقط لم يرعبهم الارهاب الأموي ولا بطش النظام الحاكم، ولم يثن عزمهم حبّ السلامة وطلب العافية، بل ظلّوا ملبّين مقاومين يواصلون طريقهم بعزم وثبات. (2)

هنا قد يطرح سؤال وهو أنه: لماذا يقوم الإمام السجاد (عليه السلام) في مرحلة ما بعد الأسر بالاعتدال والتقية ويقضي بالدعاء والاعمال المعتدلة على التحركات الثورية والشديدة، وفي مرحلة الأسر يتصرف بشدة وقوة ووضوح؟

والجواب أن مرحلة الاسر كانت فصلاً استثنائياً، حيث كان الإمام السجاد (عليه السلام)، بمعزل عن كونه إماماً ينبغي أن يهيئ أرضية للحركة لإقامة الحكومة الإلهية والإسلامية، كان اللسان الناطق للدماء المسفوكة في عاشوراء، فالإمام السجاد (عليه السلام) لم يكن هنا في الحقيقة بل كان لسان الحسين (عليه السلام) الصامت الذي تجلّى في هذا الشاب الثوري في الشام والكوفة. فلو لم يكن الإمام السجاد (عليه السلام) شديداً وحاداً وصريحاً في بيان القضايا فلن يبقى في الحقيقة مجال لعمله المستقبلي، لأن مجال عمله المستقبلي دم الحسين بن علي (عليه السلام) الهادر، كما أن دم الحسين كان أيضاً ارضية للنهضات الشيعية في طول التاريخ.

وهكذا ينبغي أن يتم العمل أولاً على تحذير الناس. ثم في ظل هذا التحذير تبدأ المعارضة الأصولية والعميقة والبعيدة المدى. ولا يمكن أن يتحقق هذا التحذير إلاّ باللسان الحاد والشديد.

لذلك كان دور الإمام السجاد (عليه السلام) في هذه المرحلة وكذلك دور زينب (عليه السلام) هو بيان ثورة الحسين بن علي (عليه السلام) . إذ ان معرفة الناس بقتل الحسين ولماذا قتل وكيف قتل سوف تؤثر على مستقبل الإسلام ومستقبل دعوة أهل البيت(عليه السلام)، بعكس الحال فيما لو لم يعرف الناس ذلك. بناءً على هذا، فإنه ينبغي لأجل الإطلاع وتوسعة هذه المعرفة على مستوى المجتمع بذل كل ما يمكن بذله الى اقصى الحدود الممكنة. لهذا تحرك الإمام السجاد (عليه السلام) في هذا الاتجاه مثل سكينة ومثل فاطمة الصغرى ومثل زينب نفسها ومثل كل أسير (كل بقدر استطاعته). لقد اجتمعت كل هذه الطاقات حتى تنثر دم الحسين المسفوك في الغربة في كل المناطق الإسلامية التي مرّوا بها من كربلاء إلى المدينة. وحين دخل الإمام السجاد (عليه السلام) إلى المدينة كان عليه أن يبيّن الحقائق أمام العيون والأنظار الباحثة والسائلة. وقد تم ذلك في أوّل وصوله، لهذا كان هذا الفصل القصير مقطعاً استثنائياً في حياته.(3)

(1 و3) كتاب "إنسان بعمر 250 سنة" للإمام الخامنئي
(2) كتاب "قيادة الإمام الصادق" للإمام الخامنئي

عدد المشـاهدات 116   تاريخ الإضافـة 02/05/2017 - 11:47   آخـر تحديـث 15/12/2017 - 02:34   رقم المحتـوى 5143
 إقرأ أيضاً